الانصمام الرئوي: الأعراض وسبل العلاج

د. حافظ حسون
الكاتب - 27 يونيو 2023
حالة الانصمام الرئوي أو الانسداد الرئوي بأنها حالة انسداد مفاجئ وحاد لواحدة أو أكثر من الشرايين الرئوية
حالة الانصمام الرئوي أو الانسداد الرئوي بأنها حالة انسداد مفاجئ وحاد لواحدة أو أكثر من الشرايين الرئوية مصدر الصورة

يضخ القلب الدم للرئتين عبر الشريان الرئوي وذلك لتزويده بالأوكسجين قبل عودته للقلب وضخه للدم لبقية أعضاء الجسم. يتم ضخ الدم بشكل مستمر ومنتظم بالتزامن مع كل ضربة وانقباض للقلب وذلك لتأمين الأوكسجين اللازم لعمل الخلايا، بالتالي عند حدوث مشكلة أو اضطراب يعيق ضخ ووصول الدم للرئتين سيؤثر هذا الأمر على تزويد الدم بالأوكسجين، ويعد الانصمام الرئوي هو أحد أبرز هذه الاضطرابات التي تعيق جريان الدم باتجاه الرئتين فما هي هذه الحالة وما أسباب حدوثها وكيف يمكن التعامل معها؟

ما هي حالة الانصمام الرئوي؟

تعرّف حالة الانصمام الرئوي أو الانسداد الرئوي "Pulmonary Embolism" بأنها حالة انسداد مفاجئ وحاد لواحدة أو أكثر من الشرايين الرئوية التي تنقل الدم من القلب باتجاه الرئتين لتزويده بالأوكسجين. هذا الانسداد المفاجئ في معظم الحالات يكون بسبب جلطة أو خثرة دموية قادمة من أحد أوعية الجسم وتصل للبطين الأيمن وتنتقل عبر جريان الدم نحو الشريان الرئوي لتسبب الانصمام.

يعمل القلب كمضخة للدم تضخ باتجاهين في الوقت نفسه وبالتزامن حيث:

  • الأذينة اليمنى والبطين الأيمن يقومان بضخ الدم بعد عودته من انحاء الجسم عبر الأوردة إلى القلب باتجاه الرئتين. وذلك لتزويده بالأوكسجين وتخليصه من غاز ثنائي أوكسيد الكربون.
  • والأذينة اليسرى والبطين الأيسر يقومان بضخ الدم المزود بالأوكسجين بعد عودته للقلب من الرئتين إلى بقية انحاء الجسم.
مقطع تشريحي للقلب
مقطع تشريحي للقلب

في بعض الحالات المرضية والاضطرابات التي يحدث فيها تخثر وتجلط للدم كحالة الخثار الوريدي العميق "DVT" التي تصيب أوردة الطرفين السفلي والعلوي. يمكن لجزء أو قطعة من الخثرة والجلطة الدموية والتي تدعى بالصمة "Embolus" ان تنتقل عبر الأوردة لتصل للبطين الأيمن.

ونتيجة للضخ المستمر للدم الذي يقوم به البطين بالأيمن نحو الرئتين لتزويده بالأوكسجين يتم ضخ وانتقال هذه الخثرة من البطين للشريان الرئوي وأحد فروعه لتسده وتمنع جريان الدم فيه. بالتالي ينقطع جزء من جريان الدم نحو الرئة ويتأثر تزويده بالأوكسجين، وهنا تحدث حالة الانصمام والانسداد الرئوي.

تعد حالة الانصمام الرئوي حالة شائعة نسبياً حيث تقدر نسبة حدوثها بحسب إحصاءات مركز التحكم بالأمراض في الولايات المتحدة "CDC" بحالة واحدة من كل 1000 شخص، ويكون نوع هذه الصمة هو غالباً خثرة دموية لكن يمكن لهذه الصمة أن تكون عبارة عن فقاعة هوائية وتسمى بالصمة الهوائية، أو صمه شحمية مثلاً.

الأعراض المرافقة لحالة الانصمام الرئوي

تظهر الأعراض في حالة الانصمام الرئوي بشكل مفاجئ ودون سابق انذار. حيث تبدأ الأعراض عند حدوث انسداد في فروع الشريان الرئوي الصادر من البطين الأيمن للقلب، وهذا الانسداد يؤثر على عملية تزويد الدم بالأوكسجين من جهة. ويسبب أيضا عبء وعائق للقلب حيث يحتاج القلب لبذل جهد أكبر لضخ الدم بسبب الانسداد.

 تختلف هذه الأعراض في الشدة ولكن غالباً ما تكون أعراض حادة وتدفع المصاب للذهاب لمراجعة الإسعاف والطوارئ، وتشمل أبرز الأعراض ما يلي:

  • الألم الصدري الحاد المفاجئ، وقد يوصف بأنه طاعن ويزداد شدة مع الشهيق
  • تسرع وزيادة عدد ضربات القلب
  • الإحساس بعدم انتظام ضربات القلب
  • الدوار 
  • صعوبة في التنفس والاحساس بالاختناق وعدم كفاية الأوكسجين
  • زيادة في عدد مرات التنفس
  • تحرض لسعال جاف لم يكن موجود سابقاً
  • غياب عن الوعي

في الحالات الشديدة التي تكون فيها الصمة الرئوية والانسداد الرئوي كبير قد يحدث غياب مفاجئ عن الوعي، mتوقف قلب، والموت المفاجئ.

تكون الآلية الرئيسية لحدوث الانصمام الرئوي هو وصول خثرة أو علقة دموية تسبب بحدوث انسداد لفروع الشريان الرئوي.
تكون الآلية الرئيسية لحدوث الانصمام الرئوي هو وصول خثرة أو علقة دموية تسبب بحدوث انسداد لفروع الشريان الرئوي.

أسباب حدوث الانصمام الرئوي

تكون الآلية الرئيسية لحدوث الانصمام الرئوي هو وصول قطعة من خثرة أو علقة دموية للبطين الأيمن ومن ثم تسببها بحدوث انسداد وانصمام لفروع الشريان الرئوي.

في أغلب الحالات يكون مصدر الخثرة الدموية هو حدوث لحالة الخثار الوريدي العميق "DVT" في أحد أوردة الجسم. حيث يتخثر الدم في الأوردة نتيجة وجود إصابة أو ركودة دموية. ومع الوقت في حالة عدم علاج الحالة تتطور هذه الخثرات ضمن الأوردة وتزداد حجماً وانتشاراً. وعندها يمكن لأجزاء منها أن تنفصل وتنتقل للرئتين لتسبب الانصمام رئوي.

يحدث الانصمام الرئوي والخثار الوريدي العميق لعدة أسباب يمكن تصنيفها وفق ما يلي:

١- الإصابات والرضوض

يمكن للإصابات وخاصة على مستوى الطرفين العلويين والسفليين التي تكون ناجمة عن الرضوض أو حوادث السير وغيرها، أن تسبب ضرراً على مستوى الأنسجة مثلاً حدوث الكسور العظمية أو التمزقات العضلية أو الجروح العميقة. وهذه الإصابات تسبب ضرراً في الأوعية الدموية وخاصة الأوردة. وهو ما يؤدي إلى تحريض حدوث الخثار الوريدي العميق ويزيد احتمال تطور الانصمام الرئوي.

٢- قلة النشاط الفيزيائي

تسبب قلة النشاط الفيزيائي الشديدة وحالات عدم الحركة والجلوس أو الاستلقاء لفترات طويلة زيادة احتمال حدوث الصمة الرئوية. حيث تؤدي قلة الحركة إلى تحريض ركوده وضعف في جريان الدم عبر الأوردة وعودتها للقلب وذلك بفعل الجاذبية والوضعية الثابتة.

يؤدي تراكم الدم وتجمعه في الأوردة لاحتمال تطور الخثار ضمن الأوردة والتجلط وهذا يرفع نسبة حدوث الانسداد الرئوي.

٣- بعض الحالات المرضية والصحية

يمكن للإصابة ببعض الحالات المرضية أن يرفع نسبة الإصابة بالانصمام الرئوي مثل الأمراض التي تؤثر على خلايا الدم عموماً وعملية تخثر الدم بشكل خاص. وتعد أيضا الإصابة بالأورام السرطانية من العوامل المسببة لتطور الانصمام وذلك إما بتحريض من الورم بحد ذاته أو كتأثير جانبي لعلاج الورم بالأدوية الكيميائية.

عوامل الخطورة للإصابة

يمكن للانصمام الرئوي أن يصيب أي شخص في أي عمر لكن هناك مجموعة من عوامل الخطر. بالإضافة للعوامل الإنذارية التي يمكن أن ترفع خطورة الإصابة بالانسداد الرئوي عند الأشخاص الذين يحملون هذه العوامل. وتشمل أشهر هذه العوامل ما يلي:

  • الخاضعين لعمل جراحي وخاصة العمليات الجراحية على المفاصل والعظام.
  • مرضى السرطان
  • الذين يعانون من أمراض قلبية
  • المصابون بأمراض الرئة والأمراض الصدرية
  • الحمل والولادة
  • قلة النشاط البدني لفترات طويلة
  • التقدم بالعمر
  • الأشخاص البدينون
  • وجود سوابق عائلية لإصابة الأقرباء بالانصمام الرئوي

الإجراءات التشخيصية

يحتاج تشخيص الانصمام الرئوي للقيام بالمجموعة من الخطوات والإجراءات التشخيصية التي تشمل ما يلي:

١- القصة المرضية والفحص السريري

تشمل هذه الخطوة التحري والسؤال عن الأعراض، وطبيعتها، ومتى بدأت، بالإضافة للبحث عن وجود سوابق مرضية وأمراض مزمنة، وبعدها يتم إجراء فحص سريري لتقييم حالة الجسم. تفيد هذه الخطوات في التوجه للشك بوجود انصمام رئوي عند المريض.

٢- اجراء صورة الصدر الشعاعية البسيطة "Chest X-ray"

تظهر هذه الصورة القلب والرئتين بشكل يسمح بتقييم الحالة العامة لهما، حيث يمكن تقييم حجم القلب وضع النسيج الرئوي والقصبات من خلال هذه الصورة، بالتالي تساعد في التشخيص والتقييم في حالة الانسداد الرئوي.

٣- التصوير الظليل الوعائي الرئوي "Pulmonary angiogram"

إن إجراء التصوير الظليل الوعائي الرئوي مشابه لقسطرة القلب من حيث المبدأ حيث يتم الوصول للشريان الرئوي عبر ادخال أنبوب مرن ذو قطر صغير عبر الوريد الفخذي حتى الوصول للبطين الأيمن للقلب. وبعدها يتم حقن مادة ظليلة على الأشعة وتصوير جريان هذه المادة عبر الشريان الرئوي بشكل مستمر ومباشر، وبهذا يمكن تقييم وجود انسداد أو انصمام في مسار وفروع الشريان الرئوي والحصول على التشخيص.

٤- اجراء الطبقي المحوري "CT-scan"

يتم استخدام جهاز الطبقي المحوري لإجراء صور دقيقة ومتتالية لتقييم الشريان الرئوي والرئتين والقصبات، ويتم ذلك بحقن مادة ظليلة عبر الوريد والتصوير بالجهاز بالتزامن مع حقن هذه المادة ومراقبة انتشارها.

٥- التقييم باستخدام الأمواج فوق الصوتية "Ultrasound"

يتم استخدام جهاز الأمواج فوق الصوتية لتصوير القلب من جهة والشريان الرئوي من جهة أخرى، حيث يسمح هذا الجهاز باجراء تقييم دقيق للقلب وصماماته ووظيفته، وأيضاً يسمح بتصوير الأوعية الدموية الرئيسية مثل الشريان الأبهر والشريان الرئوي الصادرين من القلب.

وإضافة لذلك يمكن تقييم وقياس جريان الدم عبر هذه الأوعية ورصد اضطرابات حركة الدم وجريانه، ووجود الانسداد والتضيق ضمنه، كل هذه الأمور تساهم وتساعد في تشخيص الانصمام الرئوي.

٦- الفحوص المخبرية للدم

تساهم اجراء بعض التحاليل المخبرية على عينات من دم المريض في تأكيد تشخيص الانصمام الرئوي. ومن أهم هذه الاختبارات هي التحاليل التي تقيم قدرة الدم على التخثر، إضافة لتحليل لمعايرة مادة تدعى "D-dimer" ترتفع في حالات الانصمام الرئوي، وأيضا تحليل لتقييم معايرة نسبة الغازات في الدم الشرياني "ABG" وتحديداً غاز الأوكسجين، والتي تنخفض في حالة الصمة الرئوية.

٧- اجراء تخطيط قلب كهربائي (ECG)

يقيم هذا الاختبار حركة وانقباض وتنسيق ضربات القلب، وذلك من خلال رصد وتسجيل التنبيهات الكهربائية التي تنتشر في عضلة القلب خلال عمله وتقلصه.

يفيد هذا الاختبار في إعطاء فكرة واضحة عن حالة القلب وعمله وانقباضه، ويمكن من خلاله تقييم وجود مشاكل في تروية القلب، وأيضا يمكن تحديد واكتشاف وجود عدم انتظام في ضربات القلب.

٨- التصوير بالرنين المغناطيسي "MRI"

يفيد التصوير بالرنين المغناطيسي في تشخيص الانصمام الرئوي في بعض الحالات التي لا يمكن تقييمها بوسائل التشخيص الأخرى أو في حالة عدم توافرها.

طرق علاج حالة الانصمام الرئوي

تقوم استراتيجية علاج الانصمام الرئوي على محاولة التخلص من الخثرة التي تسد فرع الشريان الرئوي وتعيق الجريان الدموية للرئة، وإضافة لذلك المنع والوقاية من تشكل خثرات جديدة ووصولها للشريان الرئوي لتنب حصول انسداد رئوي جديد.

وتتضمن طرق العلاج المتاحة للانصمام الرئوي ما يلي:

١- الأدوية المضادة للتخثر (Anticoagulants)

الأدوية المضادة للتخثر وتدعى أيضا بالمميعات الدموية. وتعمل هذه الأدوية على تقليل ومنع عمليه تخثر الدم من خلال تأثيرها إما على عمل الصفيحات الدموية أو على عوامل التخثر الموجودة في الدم.

تفيد هذه الأدوية في حالة الانصمام الرئوي من خلال منع تطور وزيادة حجم الخثرات في الشريان الرئوي، إضافة لمنع تشكل خثرات جديدة والسماح للجسم بالتخلص من الخثرة التي سببت الانصمام.

من أشهر هذه الأدوية هو دواء الهيبارين (Heparin) ودواء الوارفارين.

٢- الأدوية الحالة للخثرة أو الحالة للفبرين (Fibrinolytic therapy)

تعطى هذه الأدوية تحت المراقبة الطبية في المشافي من خلال الحقن ضمن الوريد، ويتركز استعمالها على الحالات التي تكون فيها الخثرة الدموية المسببة للانصمام كبيرة وبحاجة لتداخل سريع.

تحوي هذه الأدوية في تركيبها على مواد تقوم بتفكيك الياف الفبرين التي تدخل في تركيب الخثرات الدموية وتعطيها قوامها المتماسك والصلب، بالتالي تعمل هذه الأدوية على تفكيك وحل الخثرة الدموية من جهة إضافة لمنع تشكل خثرات جديدة من خلال منع عمل ألياف الفبرين.

٣- مصفاة الوريد الأجوف "Vena Cava filter"

الوريد الأجوف السفلي بشكل خاص هو الوريد المسؤول عن تجميع الدم الوريدي العائد من أنحاء الجسم المختلفة ونقله للقلب. وهو الذي يشكل المسار والطريق التي تعبر عبره الخثرات الدموية باتجاه الشريان الرئوي بالتالي حدوث الانصمام الرئوي.

يمكن حالياً في الحالات المستعصية التي لا تستجيب على العلاج بالمميعات والحالات التي تتكرر فيها الصمات الرئوية بكثرة، استخدام أداة لتصفية الدم ومنع الخثرات من الوصول للقلب وذلك من خلال زرع هذه أداة التصفية هذه ضمن الوريد الأجوف السفلي قبل وصوله للقلب.

تدعى أداة التصفية والتنقية بمصفاة الوريد الأجوف وهي تلتقط الخثرات الدموية التي تسير مع الدم الوريدي وتمنع وصولها للقلب واحداث الانصمام الرئوي.

٤- استئصال الخثرة عبرة الجلد "Percutaneous thrombectomy"

من خلال القسطرة يتم الدخول والوصول للقلب ومن ثم الشريان الرئوي ومحاولة سحب الخثرة واستئصالها من الشريان الرئوي، وذلك عبر استخدام أنبوب دقيق القطر وطويل ومرن يصل لمكان الخثرة ويمكن استئصالها من خلاله.

٥- الاستئصال الجراحي للصمة الرئوية "Pulmonary embolectomy"

يتم اللجوء للجراحة في حالات نادرة وقليلة وذلك في الحالات التي تكون فيها الصمة والخثرة الدموية كبيرة جداً ولا يمكن علاجها بأي وسيلة أخرى.

يتم إجراء عملية قلب مفتوح حيث يتم فتح الصدر والوصول للقلب والشريان الرئوي ومن ثم فتح الشريان الرئوي بعد إيقاف القلب والعمل على استئصال الخثرة الدموية من داخل الشريان الرئوي.

أظهرت الدراسات أن معدل النجاة بعد الإصابة بالصمة الرئوية وتطبيق العلاج يفوق 90% من الحالات، ومعدلات الوفاة تكون أقل من 5% خلال 3-6 أشهر التالية للإصابة بالانصمام الرئوي لكن بشرط تطبيق العلاج المناسب بالأدوية المضادة للتخثر والمميعات.

الملخص

تعد حالة الانصمام الرئوي حالة جدية وخطيرة، وهي بحاجة للمتابعة الطبية المباشرة والتشخيص الباكر، وذلك للبدء بتطبيق العلاج المناسب بأٍسرع وقت ممكن لأن هذا الأمر هو المفتاح لعلاج الصمة الرئوية ومنع تطورها وتجنب الاختلاطات الخطيرة لها التي قد تهدد الحياة.