التوتر والجهاز المناعي: ما هو تأثير التوتر والضغط النفسي على صحة الجهاز المناعي؟

د. جرجس نبيل خربوط
الكاتب - 21 ديسمبر 2023
كيف نحمي الجهاز المناعي من تأثير التوتر
كيف نحمي الجهاز المناعي من تأثير التوتر  Istock-photo

التوتر والضغط النفسي هما جزء من حياتنا اليومية، ولكن هل لهما أي تأثير على صحتنا العامة؟ الإجابة هي نعم. إن وجود مستويات مرتفعة من التوتر والضغوط النفسية تؤثر على وظائف الجسم وخاصةً الجهاز المناعي.

سنستكشف في هذا المقال العلاقة بين التوتر والجهاز المناعي، وكيف يمكن أن يؤدي التوتر المستمر إلى تقليل قوة الجهاز المناعي وزيادة عرضته للأمراض والاضطرابات المختلفة.

تعريف التوتر وطرق الاستجابة له

التوتر هو رد فعل طبيعي للجسم عادةً ما يُصف كشعور بالقلق أو الارتباك العقلي والعاطفي، وقد يكون ناتجاً عن العديد من العوامل مثل الضغوط اليومية في العمل أو الدراسة أو المواقف الصعبة والتغييرات الحياتية أو حتى القلق الصحي نتيجة المرض.

وعلى الرغم من أن له تأثيرات عديدة على كل من الصحة النفسية والجسدية للشخص لكن هذا يختلف باختلاف شدة الحالة التي يواجهها الشخص، حيث لا يملك التوتر دوماً تأثيرات سلبية، على سبيل المثال مقدار القليل من التوتر قد يساعد الشخص على إنجاز نشاطاته اليومية أو متطلبات العمل بشكل أفضل.

وعلى العكس من ذلك، فإن التوتر الشديد سيؤدي إلى العديد من المشاكل النفسية والجسدية ، وهنا تكمن المشكلة الأساسية منه. حيث أن استجابة الأفراد للتوتر والضغوط النفسية تختلف بشكل كبير من شخص لآخر باختلاف عدة عوامل تشمل:

  • تجارب الحياة السابقة: تتأثر استجابة الفرد للضغوط النفسية بتجاربه السابقة وكيفية تعامله معها في الماضي.
  • الدعم الاجتماعي: الأشخاص الذين يحظون بدعم اجتماعي قوي غالبًا ما يتمتعون بقدر أفضل من التحمل للضغوط النفسية.
  • التصور الشخصي: الاختلافات في كيفية تقدير الأحداث وتصور الواقع قد تؤثر بشكل كبير على مدى تأثير الضغوط النفسية.
  • الصحة النفسية السابقة: الأفراد الذين يعانون من مشاكل صحية نفسية سابقة قد يكون لديهم تأثير أكبر للضغوط النفسية.
  • مهارات التحكم بالضغط: مدى توافر مهارات إدارة الضغوط والتحكم بها يلعب دورًا مهمًا في تأثير الضغوط النفسية.
  • العوامل البيئية: الظروف المحيطة والعوامل البيئية مثل العمل والدراسة والعلاقات الشخصية قد تؤثر بشكل كبير على الاستجابة للضغوط النفسية.
  • المرونة العقلية: القدرة على التكيف والتعامل مع التحديات قد تختلف من شخص لآخر بناءً على مدى المرونة العقلية والقدرة على التكيف مع التغييرات.

تأثير التوتر على الجسم بشكل عام

يؤثر التوتر الشديد على العديد من أعضاء الجسم، مسبباً خللاً في قدرتها على أداء وظائفها الطبيعية حيث يمكن أن يسبب الأعراض التالية:

  • يؤثر التوتر على الجهاز العضلي الهيكلي حيث يزيد من التعرض للشد أو التشنج العضلي.
  • يزيد التوتر من ضيق النفس أو تسرع معدل التنفس لدى الشخص.
  • كما يسبب التوتر زيادة في معدل وسرعة ضربات القلب، بالإضافة إلى تزايد قوة الضربة القلبية، وهذا ما يحدث نتيجة تحريض إفراز مجموعة من الهرمونات التي يطلق عليها هرمونات الشدة وهي الأدرينالين "Adrenaline" والنور أدرينالين "Nor-adrenalin"  والكورتيزول"Cortisol".
  • الغدد الصماء: يزيد التوتر من إفراز مجموعة من الهرمونات ومن أهمها الكورتيزول "Cortisol"  المفرز من قشر الكظر. وهو زيادة افراز هذا الهرمون تؤثر على مختلف أجزاء الجسم وتسبب العديد من الاضطرابات.
  • الجهاز الهضمي: يزيد التوتر من الألم والانتفاخ، إضافة إلى الشعور بالانزعاج وصعوبة الهضم.
  • الجهاز العصبي: يفعل الجهاز العصبي حالة القتال أو الهروب لدى تعرض الشخص للتوتر. حيث تدفع هذه الحالة الجسم لتخزين المواد والطاقة للقيام بالعمليات الحيوية الأساسية. إضافة لتحفيز العديد من الغدد لإنتاج مجموعة من هرمونات الشدة. ولكن زيادة التوتر والوصول إلى مستويات شديدة من الإرهاق، قد يعيق بدوره من وظائف الجهازالعصبي للشخص، مسبّباً صعوبة في التركيز، والعديد من الاضطرابات.
  • يؤثر التوتر المزمن أو طويل الأمد على صحة الجهاز التناسلي لدى الذكور والإناث. حيث ينقص من الرغبة الجنسية لدى الشريكين بالإضافةّ إلى أنه قد يؤثر على تراكيز الهرمونات التناسلية.

التأثير على الجهاز المناعي

إن المستويات العالية من التوتر بالإضافة إلى تأثيرها على العديد من أجهزة الجسم فهي أيضا تؤثر على وظائف الجهاز المناعي للشخص.

فالجهاز المناعي يعتبر خط دفاع الجسم ضد العديد من الإنتانات والعوامل الممرضة التي قد تصيبه، فهو يتألف من مجموعة من الأعضاء والخلايا والبروتينات التي تعمل معاً للوصول إلى حماية شاملة للجسم ضد العديد من الأمراض التي قد تصيبه.

التوتر بشكل عام يساهم في إنتاج كميات من هرمون الكورتيزول، والتي تعزز الجهاز المناعي للحد قدر الإمكان من الأمراض التي قد تصيب الجسم. ولكن المشكلة تكمن في حال استمرار التوتر والإجهاد النفسي لمدة طويلة. فالتركيز المرتفع من هرمون الكورتيزول في الجسم، يزيد من عرضة الشخص للإصابة بالإنتانات عبر تثبيط قدرة الجهاز المناعي على محاربة العوامل الممرضة والأمراض.

ومن أهم تأثيرات التوتر على الجهاز المناعي:

١- خلل التنظيم المناعي في الجسم

تأثير التوتر والإجهاد النفسي يُقارب تأثيرات الضغوطات الجسدية التي يتعرض لها الشخص. فعند تعرّض الفرد لتوتر شديد وضغوطات نفسية متكررة، يمكن أن يتسبب ذلك في تسارع شيخوخة جهازه المناعي. هذا التأثير يقلل بدوره من قدرة الجسم على مواجهة العديد من الأمراض التي قد تصيبه، بالتالي يؤدي إلى تقليل قدرته على مقاومة الأمراض والتعافي منها.

٢- يزيد تركيز السيتوكينات في الجسم

السيتوكينات هي مجموعة من البروتينات التي ينتجها الجهاز المناعي عند وجود حالة التهابية معينة، حيث أنها تحفز من عملية الشفاء لدى الشخص.

وعلى الرغم من أهمية هذه البروتينات في تحفيز العملية التهابية لدى الشخص، ومن ثم الوصول إلى طور الشفاء، إلا أنها قد تنقص بدورها من قدرة الجهاز المناعي على مواجهة الإنتانات. حيث أظهرت البحوث أن الأطفال الذين يعانون من التوتر بشكل مبكر في حياتهم قد أنتجوا كميات أكبر من السيتوكينات بعد خضوعهم لاختبار تحفيز الخلايا المناعية في المختبر بالمقارنة مع غيرهم من الأطفال الآخرين.

٣- تنشيط العديد من الفيروسات الكامنة في الجسم

الفيروسات الكامنة هي أنواع من الفيروسات التي تكون في حالة سكون أو خمول في الجسم بعد الإصابة بها. يشمل ذلك فيروسات مثل فيروس الهربس وفيروس الورم الحليمي البشري (HPV) وفيروس الحلأ.

عادةً ما يبقى هذه الفيروسات في الجسم دون أن تسبب أي أعراض، لكنها قد تُنشط عندما يُتعرَّض الشخص لمستويات عالية من التوتر أو الضغوط النفسية. التوتر يمكن أن يؤثر على جهاز المناعة ويخفض من قدرته على محاربة هذه الفيروسات، مما يزيد من احتمالية تفعيلها وظهور الأعراض المرتبطة بها.

٤- زيادة خطر الإصابة بأمراض الجهاز المناعي الذاتي

أمراض الجهاز المناعي الذاتي هي مجموعة من الأمراض التي يهاجم فيها الجهاز المناعي بشكلٍ شاذ العديد من خلايا الجسم الطبيعية، وهذا ما يسبب اضطرابات عديدة على مستوياتها.

وقد تبين أن التوتر أو الإجهاد النفسي الشديد، يزيد من الأعراض السريرية للأمراض المناعية الذايتة، وذلك بسبب رفع التوتر لتركيز المواد الالتهابية في الجسم.

على سبيل المثال، يفرز الجسم في حالة التوتر كميات زائدة من الببتيدات العصبية لدى الأشخاص المصابين بداء التصلب المتعدد (MS) وهو أحد الأمراض المناعية الذاتية التي قد تصيب الجسم. حيث تساهم هذه البروتينات بدورها في تنشيط الخلايا الدبقية في الدماغ لإطلاق مجموعة من الجزيئات الالتهابية والتي تؤدي بدورها إلى التهاب الدماغ وتفاقم الأعراض السريرية المرافقة لداء التصلب المتعدد.

٥- زيادة خطورة الإصابة بأمراض الجهاز المناعي

يزيد التوتر الشديد أو المستمر من عرضة الشخص للإصابة بأمراض الجهاز المناعي، مثل:

  • الصدفية مرض مناعي ذاتي يصيب الجلد.
  • التهابات المفاصل
  • الذئبة أحد أشهر الأمراض المناعية الذاتية التي قد تصيب الإنسان، ولا سيّما لدى النساء.
  • أمراض الأمعاء الالتهابية مثل داء كرون والتهاب القولون التقرحي

٦- إضعاف قدرة الجهاز المناعي على مواجهة العديد من الأمراض

تبعاً لجمعية علم النفس الأمريكية، يساهم التوتر الشديد أو المستمر في إنقاص أعداد الخلايا القاتلة الطبيعية والخلايا اللمفاوية (أحد عناصرالجهاز المناعي للجسم)، وهذا ما ينقص بدوره من قدرة الجسم على مواجهة العديد من العوامل الممرضة الداخلة إليه (كالجراثيم والفيروسات وغيرها).

نصائح للتعامل مع التوتر

 تذكر دائماً أن الرعاية الذاتية والاهتمام بالصحة العقلية والجسدية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تقليل التوتر وتعزيز صحة الجهاز المناعي. ليك بعض النصائح للتعامل مع التوتر وتقليل تأثيره السلبي على جهاز المناعة:

  • النشاط البدني المنتظم يمكن أن يساعد في تخفيف التوتر وتعزيز الصحة العامة، وبالتالي دعم جهاز المناعة.
  • استخدم تقنيات التأمل والتنفس العميق واليوغا للمساعدة في التخلص من التوتر وتهدئة العقل والجسم.
  • حاول تنظيم الوقت وتخصيص فترات للراحة والاسترخاء وتفادي الإفراط في العمل.
  • الحصول على كمية كافية من النوم يساعد في تجديد الطاقة وتعزيز القدرة على التحمل النفسي والجسدي.
  • الحفاظ على نظام غذائي متوازن يعزز القدرة على مواجهة التوتر، وتناول الفواكه والخضروات والبروتينات الصحية.
  • التفاعل مع الأصدقاء والعائلة يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الصحة النفسية وبالتالي على الجهاز المناعي.
  • ممارسة الهوايات المفضلة والنشاطات التي تساعد في الترويح عن النفس تقلل من التوتر وتعزز الراحة النفسية.
  • تجنب الإفراط في العمل ومحاولة تحقيق توازن بين العمل والحياة الشخصية.