الحماض الكيتوني السكري الخطر الأكبر لمرضى السكري

د. حافظ حسون
الكاتب - 22 نوفمبر 2023
تصنف حالة الحماض الكيتوني السكري على أنها حالة اسعافية وتحتاج الرعاية الفورية للمريض
تصنف حالة الحماض الكيتوني السكري على أنها حالة اسعافية وتحتاج الرعاية الفورية للمريض Istock-photo

الحماض الكيتوني السكري "Diabetic Ketoacidosis" من الحالات الطبية الطارئة التي تستدعي العناية الفورية. وهي تحدث نتيجة لارتفاع مستويات السكر في الدم لدى مرضى السكري. تتسم هذه الحالة بارتفاع كبير في مستويات السكر في الدم، وارتفاع في مستويات الكيتونات، وتحول الدم إلى مستويات حمضية بشكل خطير.

في هذا المقال سنتعرف على أسباب وعلامات وطرق علاج هذه الحالة الخطيرة المرتبطة بمرض السكري.

ما هي حالة الحماض الكيتوني السكري؟

يعتبر مرض السكري من الأمراض المزمنة والتي تتطلب مراقبة ومواظبة على العلاج بشكل مستمر وذلك تجنباً للأذيات والاختلاطات العديدة له، ويعتبر الحماض الكيتوني واحد من أخطر هذه المضاعفات.

تعرف حالة الحماض الكيتوني السكري أو الحماض الخلوني السكري "Diabetic Ketoacidosis" بأنها حالة يرتفع فيها تركيز مادة كيميائية في الجسم تعرف بالأجسام الكيتونية "Ketones" أو الأحماض الكيتونية "Keto acids".

والأحماض الكيتونية هي مادة حامضية تسبب زيادة نسبة الحموضة في الدم عند تراكمها بشكل كبير فيه. وهذه الحموضة المتراكمة في الدم تسبب مشاكل ومضاعفات قد تكون خطيرة إذا لم تعالج بشكل فوري.

آلية حدوث الحماض الكيتوني السكري

يحتاج الجسم لهرمون الأنسولين الذي ينتجه البنكرياس حتى يقوم بإدخال السكريات وتحديداً الغلوكوز "Glucose" إلى داخل الخلايا في الجسم حتى تستفيد منه في عملية انتاج الطاقة والقيام بوظائفها الحيوية. حيث يعد الغلوكوز مصدر الطائفة الرئيسي لكل خلايا الجسم.

وعند انخفاض إنتاج أو غياب هرمون الأنسولين أو عدم استجابة الخلايا له يحدث مرض السكري. وفيه تصبح مستويات الغلوكوز في الدم عالية لأنه لا يوجد كميات كافية من هرمون الأنسولين لينقل الغلوكوز إلى داخل الخلايا لتستخدمه كمصدر للطاقة.

وفي حال استمرار غياب الغلوكوز وانخفاض الأنسولين، يبدأ الجسم والخلايا بالبحث عن مصدر طاقة بديل حتى يتم تأمين احتياجات أنسجة وأعضاء الجسم من الطاقة.

هنا يقوم الكبد بصناعة وإنتاج مصدر طاقة بديل اسعافي، هذا المصدر للطاقة هو عبارة عن الأجسام والأحماض الكيتونية التي تنتج عن هضم وتفكيك الدهون في الجسم.

تؤمن الأجسام الكيتونية الطاقة للخلايا بشكل مؤقت، ولكن مع استمرار حالة نقص الأنسولين وعدم وصول الغلوكوز للخلايا سيبقى الجسم معتمداً على الأجسام الكيتونية. وبالمحصلة ستتراكم هذه الأجسام الكيتونية ويرتفع تركيزها في الدم.

تصبح هذه الأحماض الكيتونية مواد ذات تأثير ضار وسام للجسم عندما يصل تركيزها لمستويات مرتفعة.

الأسباب

تكون الآلية الرئيسية لحدوث حالة الحماض الكيتوني السكري هي غياب ونقص مستويات الأنسولين في الجسم مما يؤدي لزيادة انتاج مركبات الكيتون وتركيزها.

بالتالي يمكن لأي حالة تؤثر على مستويات الأنسولين في الجسم وعمله عند مرضى السكري بشكل خاص أن تسبب حصول الحماض الكيتوني.

وتشمل أبرز الحالات التي يمكن أن تسبب تطور الحماض الكيتوني ما يلي:

١- الإصابة الحديثة بالنمط الأول من مرض السكري "Type 1 diabetes"

النمط الأول من المرض السكري أو السكري الشبابي هو مرض السكري الناجم عن غياب انتاج هرمون الأنسولين من البنكرياس وذلك نتيجة تخريب الخلايا المسؤولة عن انتاجه.

ليس بالضرورة أن يتم تشخيص هذا المرض باكراً. حيث يمكن أن تأخذ عملية تخريب وغياب انتاج الأنسولين في الجسم عدة سنوات دون أن يشعر المريض بأي تغيرات أو تبدلات. ولكن عند غياب هرمون الأنسولين لدى هؤلاء المرضى يمكن للحماض الكيتوني أن يكون العارض الأول الذي يحدث لديهم ومن خلال حدوثه يتم تشخيص الإصابة بمرض السكري.

٢- نسيان أو تفويت جرعات الأنسولين العلاجية

يعالج السكري في العديد من حالاته بالأنسولين المصنع مخبرياً. وهذا العلاج يكون مقسم على جرعات يأخذها المريض بشكل منتظم خلال يومه.

ومن خلال حقن الأنسولين في الجسم يتم رفع تركيزه والقيام بعملية ادخال الغلوكوز للخلايا وخفض سكر الدم.

عند تفويت جرعات الأنسولين وعدم أخذها سوف ترتفع مستويات السكر في الدم من جهة، وسوف تلجأ الخلايا لتصنيع واستهلاك الأجسام الكيتونية للحصول على الطاقة وهذا سيساهم في تطور الحماض الكيتوني.

٣- استعمال أنسولين غير فعال أو منتهي الصلاحية

أحيانا يكون الأنسولين المستخدم غير فعال ولا يؤدي عمله المطلوب في إيصال السكر للخلايا. بالتالي يستمر الجسم بإنتاج الكيتون لتقديمه للخلايا كمصدر طاقة نظراً لغياب الغلوكوز عنها.

٤- حالات طبية معينة

بالإضافة للأسباب الناجمة عن خلل العلاج عند مرضى السكري. يمكن للإصابة ببعض الأمراض والحالات الصحية عند مرضى السكري أن تحرض حصول حماض كيتوني لديهم، وتشمل هذه الحالات بشكل عام:

  • الإصابة بعدوى جرثومية أو فيروسية
  • الاجهاد الجسدي الشديد
  • الإرهاق والتوتر العاطفي والنفسي
  • الإصابة بالجلطة القلبية أو الدماغية
  • الحمل
  • تناول بعض أنواع الأدوية يمكن أن تزيد من مقاومة الجسم للأنسولين بالتالي ترتفع مستويات السكر في الدم، على سبيل المثال:
    • السيتروئيدات القشرية
    • بعض الأدوية المضادة للالتهاب مثل إيبوبروفين
    • المضادات الحيوية من عائلة الكينولونات

أعراض الحماض الكيتوني السكري

تظهر أعراض الحماض الكيتوني السكري وتتطور بشكل بطيء في البداية وفي حال عدم التشخيص ومعالجة الحالة تتطور وتظهر أعراض أخرى بشكل سريع.

١- أعراض المراحل الأولية

الأعراض الأولية لحالة الحماض الكيتوني السكري قد تكون غير محددة وتتشابه مع أعراض ارتفاع مستوى السكر في الدم.

ومن بين الأعراض التي يمكن أن تظهر في المراحل الأولية:

  • التعب والضعف العام: يمكن أن يكون هناك شعور بالتعب والضعف الشديد.
  • الجفاف والعطش الشديد: تزيد حاجة الجسم لشرب الماء بكميات كبيرة.
  • التبول المتكرر: زيادة التبول والحاجة المتكررة لزيارة دورة المياه.
  • الارتفاع المفاجئ في مستوى السكر في الدم: يمكن أن تظهر بعض أعراض ارتفاع السكر مثل الصداع والغثيان والتعب.

٢- أعراض المراحل المتأخرة

عندما يتأخر العلاج أو لا يتم التعامل مع حالة الحماض الكيتوني السكري بشكل سريع، يمكن أن تزداد شدة الأعراض وتظهر أعراض خطيرة تشمل:

  • التنفس السريع والضيق: نتيجة لمحاولة الجسم التخلص من الحموضة الزائدة في الدم.
  • ظهور رائحة للنفس والفم تشبه رائحة الفواكه وهي ناجمة عن زيادة تركيز الكيتون في الجسم.
  • الغثيان والقيء الشديد والمتكرر وعدم القدرة على تناول الطعام والشراب
  • التشوش العقلي والارتباك: قد يتطور إلى فقدان الوعي في حالات شديدة.
  • الجفاف الشديد وانخفاض الضغط الدمي: يمكن أن تزداد حالة الجفاف وتنخفض الضغط الدمي بشكل خطير.
  • آلام وتشنجات العضلات
  • ألم في البطن والمعدة

تتطور هذه الأعراض عندما يتم تجاهل أو تأخير العلاج، وقد تكون علامة على تدهور حالة المريض نحو حالة طارئة تتطلب العناية الطبية الفورية والسريعة.

المضاعفات

الحماض الكيتوني السكري هو حالة طارئة خطيرة لدى مرضى السكري، وإذا لم يتم علاجها بشكل سريع وفعّال، يمكن أن تحدث مضاعفات خطيرة. بعض المضاعفات والمخاطر تشمل:

  • الصدمة الحمضية "Acidosis Shock": ارتفاع حموضة الدم يمكن أن يؤدي إلى فشل عدد من أعضاء الجسم وتدهور الحالة العامة، وفي الحالات الشديدة يمكن أن تتطور إلى الصدمة الحمضية.
  • اضطرابات الوعي وفقدان الوعي: يمكن أن يحدث تغير في حالة الوعي بسبب التغيرات الكيميائية في الجسم.
  • اضطرابات القلب والتنفس: يمكن أن يؤدي اضطراب الحموضة إلى تأثير على وظائف القلب والتنفس وزيادة الضغط عليهما.
  • تدهور وظائف الكلى: ارتفاع حموضة الدم يمكن أن يسبب تدهورًا في وظائف الكلى وفشلها في حالات شديدة.
  • المضاعفات العصبية: قد تظهر اضطرابات عصبية مثل الارتباك الشديد والتشوش العقلي.
  • خطر الوفاة: في الحالات الشديدة والتي لا تتم معالجتها بسرعة، يمكن أن تكون الحماضية الكيتونية سببًا في وفاة المريض.

هذه المضاعفات توضح أهمية الكشف المبكر والتدخل السريع لعلاج الحماض الكيتوني السكري لتجنب حدوث تلك المضاعفات الخطيرة.

التشخيص

يحتاج تشخيص الإصابة بالحماض الكيتوني إلى عدة إجراءات تشمل:

١- القصة المرضية والفحص السريري

يستفسر الطبيب ويسأل عن أعراض المريض الحالية، ومتى بدأت وكيف كانت شدتها. بالإضافة للسؤال عن التاريخ المرضي وإجراء فحص سريري عام للعلامات الحيوية للجسم.

٢- الفحوص المخبرية

يتم إجراء فحوص مخبرية مختلفة للدم والبول للحصول على تشخيص أوضح لحالة المريض. وتتضمن هذه الفحوص ما يلي:

  • قياس نسبة السكر في الدم: حيث تكون عادةً مرتفعة عند المصابين بالحماض الكيتوني السكري وتتجاوز 250 ملغ/دل.
  • معايرة الأجسام الكيتونية في الدم: يتم أخذ عينة من دم المريض وقياس نسبة وتركيز الأجسام الكيتونية ضمنها وتقييم وضع المريض حسب نتيجة هذا الاختبار. وتصنف نتائج الاختبار وفق ما يلي:
    • الاجسام الكيتونية تحت 0.6 ميلي مول/ لتر نتيجة طبيعية.
    • الاجسام الكيتونية بين 1.6 حتى 3 ميلي مول/ لتر هناك شك وخطر الإصابة بالحماض الكيتوني.
    • تركيز الأجسام الكيتونية أعلى من 3 ميلي مول/ لتر فهو حماض كيتوني بنسبة كبيرة ويجب مراجعة الإسعاف.
    • معايرة الاجسام الكيتونية في البول: تؤخذ عينة من بول المريض وتحلل لتحري وجود جزيئات الكيتون في البول.
      • بشكل عام يكون البول خال من الكيتون. وفي حال وجوده ضمن البول فهناك خلل معين في الجسم ليس بالضرورة أن يكون حماض كيتوني. لكن في حال وصول تركيزه لمستويات عالية فمن المرجح وجود حماض كيتوني يستدعي الاهتمام الطبي.
  • اجراء فحص لغازات الدم الشرياني: يتم أخذ عينة دم من المريض لكن هذه العينة تسحب من أحد الشرايين وليس من الأوردة كما جرت العادة في الفحوص المخبرية الأخرى. يتم من خلال هذا الاجراء تحديد درجة حموضة الدم (PH) التي ترتفع في حالة الحماض الكيتوني. إضافة لمعرفة نسبة الأوكسجين في الدم ومستويات الشوارد وتوازنها في الجسم.

علاج الحماض الكيتوني السكري

يحتاج علاج حالة الحماض الكيتوني السكري إلى البقاء في المستشفى تحت المراقبة حتى تتم السيطرة على حالة الحماض في الدم وتخفيف تركيز الأجسام الكيتونية وتجنب تطور المضاعفات الخطيرة.

تتضمن إجراءات المعالجة ما يلي:

  • إعطاء الأنسولين عن طريق الوريد: وذلك لخفض مستويات سكر الدم المرتفعة في الدم، وإدخال الغلوكوز للخلايا. بالتالي تخفيف الاعتماد على الاجسام الكيتونية وإيقاف انتاجها وطرحها خارج الجسم.
  • إعطاء المحاليل الوريدية: التي تساعد على تعويض حالة التجفاف ونقص السوائل في الجسم التي تحدث بسبب الاقياء والتبول المتكرر.
  • تعويض الشوارد المختلفة باستخدام المحاليل والأدوية. وذلك بسبب انخفاض تركيز العديد من الشوارد في الجسم بفعل الحماض الكيتوني والإقياء مثل الصوديوم، البوتاسيوم، المغنيزيوم وغيرها. وهو ما يسبب الوهن العام والتقلصات العضلية وغيرها من الاعراض.

طرق الوقاية

يمكن الوقاية من حدوث الحماض الكيتوني السكري عند مرضى الداء السكري تحديداً من خلال اتباع مجموعة من الإجراءات التي تتضمن ما يلي:

  • الالتزام بالعلاج والخطة العلاجية وجرعات الأنسولين الموصى بها من الطبيب.
  • قياس ومراقبة مستويات السكر في الدم بشكل دوري وتتوفر في بعض الأجهزة أيضاً قياس سريع للأجسام الكيتونية في الدم.
  • مراقبة مستويات سكر الدم عن كثب في حال إصابة مريض السكري بحالات مرضية أخرى مثل وجود انتان أو عدوى أو حالات شدة أخرى على الجسم.
  • تجنب تجاوز جرعات الأنسولين أو تعديلها دون الرجوع للطبيب.