فقر الدم الخبيث: الأعراض والتشخيص

د. حافظ حسون
الكاتب - 2 يوليو 2023
فقر الدم الخبيث هي حالة يصبح فيها عدد الكريات الحمر ذات البنية والوظيفة الطبيعية غير كاف في الجسم.
فقر الدم الخبيث هي حالة يصبح فيها عدد الكريات الحمر ذات البنية والوظيفة الطبيعية غير كاف في الجسم. Tabeeb

تعد خلايا الدم الحمراء المسؤولة الرئيسية عن عملية نقل الأوكسجين وإيصاله لكل الخلايا والأنسجة في الجسم، وذلك بفضل تركيبها الفيزيولوجي المخصص لهذه المهمة، بالتالي فإن أي اضطراب يصيب كريات الدم الحمراء ويؤثر على انتاجها وشكلها وبنيتها الفيزيولوجية سيؤدي لاضطراب وظيفتها. ويعد فقر الدم الخبيث هو إحدى هذه الاضطرابات التي تؤثر على خلايا الدم الحمراء وتسبب خللاً في عملها.

وفي هذا المقال سنتحدث عن حالة فقر الدم الخبيث وما هي أسبابها وكيف يتم تشخيصها وعلاجها.

ما هي حالة فقر الدم الخبيث؟

فقر الدم الخبيث "Pernicious Anemia" هي حالة يصبح فيها عدد الكريات الحمر ذات البنية والوظيفة الطبيعية غير كاف في الجسم، ويزداد في هذه الحالة نسبة الكريات الحمراء ذات البنية والوظيفة غير الطبيعية. ويكون السبب في ذلك هو حدوث عوز ونقص في تركيز وكمية الفيتامين B12 أو ما يعرف باسم الكوبالامين "Cobalamin" في الجسم.

يشكل فيتامين B12 عنصر ومادة غذائية أساسية في تصنيع وإنتاج كريات الدم الحمراء الطبيعية والتي يتم انتاجها من نقي العظام "Bone Marrow". حيث يدخل فيتامين B12 في بنية خلية الدم الحمراء ويعطيها شكلها وحجمها الطبيعي، وعادة ما يتم الحصول عليه من عدة أطعمة مختلفة.

عند حصول نقص في مخزون الفيتامين B12 لأي سبب كان كوجود أمراض واضطرابات على مستوى المعدة والجهاز الهضمي أو نقص الوارد الغذائي من الفيتامين. حيث تتأثر عملية انتاج الكريات الحمراء الطبيعية وتكون النتيجة هي تصنيع كريات حمراء غير ناضجة، ذات حجم أكبر من الحجم الطبيعي للكريات الحمراء الطبيعية، وأيضا ذات وظيفة مضطربة وضعيفة القدرة على نقل الأوكسجين، وهنا تحدث حالة فقر الدم الخبيث.

يصنف فقر الدم الخبيث بأنه من أنواع فقر الدم كبير الخلايا "Megaloblastic Anemia" لأنه يسبب انتاج كريات حمراء كبيرة الحجم، وسمي بالخبيث لأنه كان سابقاً يسبب الموت مجهول السبب قبل اكتشاف سبب حدوثه.

تعد حالة فقر الدم حالة قليلة الشيوع نسبياً حيث وفقاً للدراسات فإن نسبة الإصابة به هي 0.1% من مجمل السكان، وحوالي 20-50 % من الحالات تحدث بعد عمر 60 سنة. (1)

أسباب الإصابة بفقر الدم الخبيث

الآلية الرئيسية لحدوث فقر الدم الخبيث هو حدوث نقص في مستويات الفيتامين B12 في الجسم. وهذا الأمر يحدث إما نتيجة مشكلة واضطراب على مستوى المعدة والأمعاء يمنع امتصاص الفيتامين B12 من الأغذية ودخوله للجسم أو نتيجة عدم الحصول على كميات كافية من الفيتامين لأسباب تتعلق بنمط الحياة والحمية الغذائية.

ويمكن تلخيص أهم أسباب حصول فقر الدم الخبيث وفق ما يلي:

١- عوز العامل الداخلي للمعدة "Intrinsic Factor"

العامل الداخلي للمعدة "Intrinsic Factor" هو مادة بروتينية تنتج من خلايا خاصة في جدار المعدة تدعى الخلايا الجدارية "Parietal cells"، ويلعب هذا العامل دوراً محورياً في عملية امتصاص الفيتامين B12 من المعدة والأمعاء.

حيث يرتبط العامل الداخلي مع الفيتامين B12 ويقوم بدور الوسيط والناقل الذي يسهل عبور وامتصاص الفيتامين من قبل الأمعاء ودخوله للجسم.

بالتالي عند حصول نقص في انتاج وافراز العامل الداخلي لأي سبب كان سيتأثر امتصاص فيتامين B12 من الجهاز الهضم. وتكون النتيجة حدوث نقص في مستويات الفيتامين في الجسم ويظهر فقر الدم الخبيث.

يحدث نقص العامل الداخلي لعدة أسباب أهمها:

  • السبب المناعي الذاتي "Autoimmune disease" حيث يقوم جهاز المناعة وخلاياه في الجسم بمهاجمة الخلايا الجدارية المنتجة للعامل الداخلي عن طريق الخطأ ويخربها، وذلك بسبب اضطراب يصيب جهاز المناعة.
  • التهاب المعدة المزمن "Chronic gastritis" وهو يؤدي لتخرب الخلايا الجدارية.

٢- نمط الحياة غير الصحي

تؤثر نوعية الحياة والعادات التي يتبعها الأشخاص على عملية الحصول على فيتامين B12 ولا سيما من خلال نوع الحمية الغذائية والطعام المتناول. حيث وجد أن الأشخاص الذين يتبعون نمط الحمية النباتية معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بعوز الفيتامين B12 بسبب نقص الوارد منه في الأطعمة التي يتناولونها.

ووفقاً للدراسات فإن نسبة شيوع نقص فيتامين B12 عند النباتيين كانت تتراوح بين 11-90% عند البالغين و25-86% عند الأطفال. (2)

وإضافة لذلك فإن استهلاك الكحول بشكل متكرر ومفرط عامل مسبب أيضا في تقليل امتصاص الفيتامين B12.

٣- بعض الحالات المرضية

تشكل الإصابة ببعض الحالات المرضية عامل مسبب وخطر للإصابة بفقر الدم الخبيث ونقص الفيتامين B12، وأبرز هذه الحالات المرضية هي:

  • أمراض المناعة الذاتية كالإصابة بمرض السكري النمط الأول أو أمراض الغدة الدرقية المناعية.
  • بعض الحالات الوراثية مثل الإصابة بعوز العامل الداخلي الوراثي.
  • أمراض الأمعاء والجهاز الهضمي كداء كرون والتهاب القولون التقرحي.

٤- تناول بعض أنواع الأدوية

وجد علاقة بين تناول بعض أنواع الأدوية وحدوث نقص في امتصاص فيتامين B12. ومن أشهر هذه الأدوية هي الأدوية المضادة للحموضة والتي تستعمل في علاج حالات الارتجاع المعدي المريئي "GERD" وبعض أدوية مرض السكري مثل دواء الميتفورمين "Metformin".

٥- العمليات الجراحية على المعدة أو الأمعاء

تسبب العمليات الجراحية التي يتم فيها استئصال أجزاء من المعدة أو الأمعاء. وبالأخص عمليات إنقاص الوزن مثل قص وتصغير المعدة "Gastrectomy" حدوث فقر الدم الخبيث. وذلك من خلال تقليل عدد الخلايا الجدارية المنتجة للعامل الداخلي في المعدة بفعل الاستئصال والقص الحاصل للمعدة.

الأعراض

تتعلق الأعراض المرافقة لحالة فقر الدم الخبيث بدرجة النقص الحاصل في مستويات الفيتامين B12 في الجسم، حيث يخزن الجسم في الحالة الطبيعية كميات جيدة من هذا الفيتامين وعند حدوث النقص تبدأ الأعراض بالظهور. يمكن في بعض الحالات ألا يعاني المرضى من أية أعراض أو قد تكون أعراض خفيفة لمتوسطة في حالات أخرى. وتصل في بعض الأحيان لأعراض شديدة غير قابلة للتراجع.

١- الأعراض الخفيفة

وتضم الأعراض الشائعة والخفيفة لفقر الدم الخبيث ما يلي:

  • الوهن والتعب العام والاحساس بنقص الطاقة
  • فقدان الشهية
  • الغثيان
  • الاقياء
  • الإمساك أو الاسهال
  • الإحساس بضيق في التنفس وزلة تنفسية وخصوصاً أثناء ممارسة التمارين والجهد البدني
  • شحوب في الجلد والأغشية المخاطية

٢- الأعراض الشديدة

أما بالنسبة للأعراض الخطيرة والشديدة، فهي تنجم عن الانخفاض الشديد للفيتامين B12 والبقاء بدون علاج لفترة طويلة، وهي تتركز على حدوث الضرر على مستوى الجهاز العصبي وتتضمن:

  • الاضطراب والتخليط الذهني
  • فقدان الذاكرة قصيرة الأمد
  • الإحساس بخدر ووخز في القدمين واليدين
  • مشاكل في التركيز
  • حدوث بعض الأوهام والهلوسة
  • فقدان التوازن
  • تضرر وتخرب العصب البصري

الوسائل التشخيصية

تعتبر عملية تشخيص الإصابة بفقر الدم الخبيث عملية ليست صعبة في الوقت الحالي. حيث يمكن من خلال الفحوص واجراء بعض التحاليل المخبرية للدم أن يتم كشف وجود فقر الدم الخبيث، وبشكل عام تتضمن إجراءات تشخيص فقر الدم الخبيث ما يلي:

١- القصة المرضية والفحص السريري

تتضمن استجواب الطبيب للمريض عن الأعراض وطبيعتها، وإن كانت قد ازدادت سوءاً مع الوقت. إضافة للسؤال عن نوعية النظام الغذائي والعادات اليومية، وتقصي وجود سوابق للإصابة بأمراض مزمنة أو مناعية ذاتية مثلاً.

بعدها يجرى فحص عام للجسم وأجهزته مع البحث عن علامات تشير وتتوافق مع وجود فقر دم على سبيل المثال شحوب الجلد والأغشية المخاطية، والتعب العام، وعدم تحمل الجهد وغيرها من الأعراض التي توجه لوجود فقر دم خبيث.

٢- الإجراءات المخبرية

يعتبر أخذ عينات من الدم والقيام بمجموعة من الفحوص المخبرية على كريات الدم الحمراء. إضافة لمعايرة نسب وتراكيز بعض المواد الكيميائية ونواتج الاستقلاب في الدم. بالإضافة لإجراءات محورية وأساسية لتشخيص فقر الدم ونوعه بدقة، وتتضمن التحاليل المخبرية التي تجرى في حالة فقر الدم بشكل رئيسي ما يلي:

أ- تعداد الدم الكامل "Complete Blood Count"

وهو الاجراء الأول والأساسي في التحاليل الدموية، لأن هذا التحليل يقوم بقياس نسبة وعدد كل نوع من أنواع خلايا الدم الحمراء والبيضاء والصفيحات الدموية. بالتالي يظهر يمكن من خلاله تحديد وجود أي خلل على مستوى خلايا الدم.

إضافة لذلك يقوم هذا التحليل بقياس نسبة الخضاب في الدم، وقياس حجم الكريات الحمراء، وحساب تركيز الخضاب أيضا في كريات الدم الحمراء.

بالتالي يعتبر هذا الفحص أساسي في تشخيص حالات فقر الدم. وفي حالة فقر الدم الخبيث يعطي علامات لانخفاض في تراكيز الخضاب ومستوياته إضافة لوجود زيادة واضحة في حجم كريات الدم الحمراء عن المعدل الطبيعي وهو ما يتوافق مع فقر الدم الخبيث.

ب- معايرة اللاكتات ديهدروجيناز "Lactate Dehydrogenase"

مادة اللاكتات هي مادة بروتينية موجودة في الجسم بشكل طبيعي بنسبة محددة ولها عدة مهام، ولكن يرتفع تركيزها ونسبتها في الدم في الحالات المترافقة مع تضرر وتخرب الخلايا والأنسجة في الجسم.

بالتالي يرتفع تركيز اللاكتات ديهدروجيناز في حالة فقر الدم الخبيث لأن خلايا الدم الحمراء تكون غير طبيعية البنية وتتخرب بشكل أسرع من الكريات الطبيعية.

ج- معايرة نسبة البيلروبين في المصل "Serum bilirubin"

البيلروبين هو مادة ناتجة عن استقلاب وتخرب كريات الدم الحمراء، حيث تتخرب كريات الدم الحمراء في الحالة الطبيعية بعد انتهاء فترة حياتها ويكون البيلروبين هو ناتج الاستقلاب ويقوم بعدها الكبد بمعالجة البيلروبين وطرحه مع الفضلات في الأمعاء.

يرتفع مستوى تركيز البيلروبين في المصل عن الحد الطبيعي في حالة فقر الدم الخبيث وذلك بسبب وجود كريات الدم الحمراء الغير طبيعية وكبيرة الحجم والتي يجعلها تتخرب بمعدل أعلى وأسرع مقارنة بالخلايا الطبيعية.

د- قياس مستويات الفيتامين B12 في الدم

يتم قياس ومعايرة نسبة الفيتامين B12 في الدم والتي تنخفض في حالة فقر الدم الخبيث.

علاج حالة فقر الدم الخبيث

لا يعتبر علاج فقر الدم الخبيث صعباً في الوقت الحالي ويتركز العلاج على تعويض النقص الحاصل في الفيتامين B12 وذلك من خلال ما يلي:

١- إعطاء المكملات الحاوية على فيتامين B12

تعطى مكملات خاصة في حالات فقر الدم الخبيث تحوي تراكيز عالية من الفيتامين B12 وتكون على شكل حقن عضلية عادةً. ويترك للطبيب تقدير الجرعة ومدة العلاج بحسب شدة النقص الحاصل في مستويات الفيتامين. حيث من الممكن أن تعطى في الفترة الأولى حقنة يومياً قبل أن يتم تخفيف الجرعة بشكل تدريجي.

٢- اعتماد نظام صحي غني بالفيتامين B12

من الضروري تعديل نظام الحمية الغذائية عند المصاب وإدخال اطعمة تحوي كميات ونسب جيدة من فيتامين B12 لتعويض النقص في الجسم.

وتتضمن الأطعمة الحاوية على نسب جيدة من فيتامين B12 والتي ينصح بتواجدها بشكل دائم في النظام الغذائي ما يلي:

  • اللحوم الحمراء
  • الأسماك
  • البيض
  • صدر الدجاج
  • كبد الدجاج
  • الألبان
  • بعض أنواع الحبوب

الملخص

يمكن اعتبار حالة فقر الدم الخبيث حالة ليست خطيرة عموماً، لأنه يمكن تدبيرها وعلاجها من خلال تعويض الفيتامين B12. ولكن يبقى الشرط الأساسي في ذلك هو التشخيص الباكر لوجود فقر الدم لتجنب المضاعفات والضرر الدائم الذي قد يحصل في حال عدم العلاج.