ما المدة التي يستمر فيها نشاط الدماغ بعد حدوث السكتة القلبية؟

د. جرجس نبيل خربوط
الكاتب - أخر تحديث 8 يناير 2024
عند حدوث سكتة قلبية يتوقف تتدفق الدم والأكسجين لأنحاء الجسم
عند حدوث سكتة قلبية يتوقف تتدفق الدم والأكسجين لأنحاء الجسم Istock-photo

 بعد حدوث السكتة القلبية، يصبح الاهتمام بالعلاج والتعافي أمراً حيوياً ولكن هناك جانب آخر يثير الفضول وهو يتعلق بالمدة التي يستمر فيها نشاط الدماغ بعد السكتة القلبية. وفي هذا المقال سوف نناقش فترة نشاط الدماغ بعد السكتة القلبية مع تناول العوامل المؤثرة والعلاجات المحتملة لدعم الدماغ خلال هذه المرحلة الحساسة.

تعريف السكتة القلبية

يعمل القلب على هيئة مضخة، تضخ الدم إلى جميع أنحاء الجسم، بما فيها الدماغ، الكليتين، وغيرها من الأعضاء المهمة.

ويعتبر وصول الدم إلى خلايا الجسم المتنوعة أمراً مهماً، حيث يزود الدم خلايا الجسم بالأكسجين والمواد المغذية الضرورية لأداء وظائفها. بالإضافة إلى تخليصها من غاز ثنائي أكسيد الكربون والفضلات المتراكمة فيها.

تعرف السكتة القلبية على أنها أحد أخطر الحالات الصحية التي قد تصيب الشخص والتي تتصف بحدوث توقف مفاجئ وغير متوقع للقلب. بالتالي عدم قدرته على ضخ الدم إلى أنحاء الجسم المختلفة والذي يؤدي لحرمان الأعضاء الحيوية المختلفة ومن بينها الدماغ من الأكسجين والطاقة.

وهنا يأتي دور الإجراءات العلاجية الإسعافية لمحاولة إنقاذ حياة الفرد، فبعد التأكد من حدوث توقف القلب. من الضروري البدء وبشكل إسعافي بالإنعاش القلبي الرئوي "CPR". وذلك كمحاولة لإعادة نظم القلب وضخ الدم إلى أنحاء الجسم عبر التمسيد الخارجي للعضلة القلبية (عبر جدار الصدر). ومن المؤسف في هذه الحالة، أن 9 من أصل 10 أشخاص ممن يتعرضون للسكتة القلبية وهم خارج المستشفى، معرضون للوفاة خلال دقائق معدودة. ولذلك تعتبر السكتة القلبية المسؤولة عن حدوث الوفاة في نصف الحالات المرتبطة بالذبحة القلبية والجلطات.

ما هي المؤشرات التي تدل على احتمال إصابة الشخص بالسكتة القلبية؟

قد يعاني الشخص من مجموعة من الأعراض، التي قد تسبق حدوث السكتة القلبية لديه. ويكون ذلك أوضح بشكل خاص لدى الأشخاص الذين يملكون عوامل خطر مرتفعة لحدوث السكتة.

ومن الضروري عند حدوث أحد هذه الأعراض مراجعة أقرب مركز صحي أو مشفى واتخاذ التدابير الإسعافية الضرورية لتجنب المخاطر المحتملة على حياة المريض، ومن الأعراض نذكر:

  • ضيق النفس
  • التعب العام والدوار
  • الغثيان
  • ألم الصدر
  • خفقان القلب أو الشعور بضربات القلب السريعة أو المنقصفة
  • فقدان الوعي

ولابد من التنويه إلى أن السكتة القلبية قد تحدث بشكل مفاجئ دون ظهور أي أعراض سابقة لها وذلك في العديد من الحالات. ومن أكثر الدلالات التي قد تشير إلى إصابة الشخص بالسكتة القلبية:

  • فقدان الوعي المفاجئ
  • توقف التنفس أو التنفس غير الفعال
    • التنفس غير الفعال أو التنفس الشهقي هو نوع من التنفس الذي يكون غير عميق أو فعّال كما ينبغي. فعند حدوث السكتة القلبية، قد يحدث هذا النوع من التنفس نتيجة لضعف القلب أو لانخفاض مستوى الأكسجين في الدم.
  • عدم الاستجابة على الصراخ أو الاهتزاز
  • غياب النبض

الأسباب

هنالك مجموعة من الأسباب الأكثر شيوعاً لحدوث السكتة القلبية وهي تضم الرجفان البطيني "Ventricular Fibrillation" والتسرع البطيني "Ventricular Tachycardia". ولكن هذين السببين يحدثان بشكل مرافق لمجموعة من الأمراض، ولا سيما الأمراض القلبية والتي تشمل:

  • اضطرابات النظم القلبي "Arrythmia" أو الخلل في سير النقالية الكهربائية الطبيعية للقلب. حيث لا يستطيع القلب ضخ الدم بكفاءة إلى أنحاء الجسم المتنوعة. ويعتبر الرجفان البطيني والتسرع البطيني من أهم أسباب اضطرابات النظم القلبية.
  • اعتلال العضلة القلبية "Cardiomyopathy" كتوسع أو ضخامة العضلة القلبية، والتي تؤدي بدورها إلى تقلصات قلبية غير طبيعية.
  • داء الشرايين التاجية أو الإكليلية للقلب "Coronary artery disease" وهي الشرايين التي تغذي القلب وتزوده بالدم والأكسجين الضروري لأداء وظائفه. وبناءً عليه فإن إصابة هذه الشرايين بالتضيق ينقص من جريان الدم ضمن هذه الاوعية، وهذا ينقص من كفاءة القلب وقدرته على ضخ كميات كافية من الدم إلى بقية أنحاء الجسم.
  • أمراض الدسامات أو الصمامات القلبية.

إضافةً للأسباب القلبية السابقة، لابد من الإشارة إلى وجود مجموعة من الأسباب الأخرى التي قد تؤدي إلى السكتة القلبية، ومن أهمها:

  • فقدان كميات كبيرة من الدم كالنزف الشديد الناتج عن حادث أو عمل جراحي كبير.
  • نقص الأكسجين الشديد.
  • ارتفاع تركيز البوتاسيوم والمغنيزيوم في الدم. وكذلك لابد من التنويه إلى أن النقص الشديد في تركيز هذه الشوارد قد يؤدي إلى توقف القلب أيضا.
  • الإجهاد البدني الشديد، وبشكل خاص لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض الشرايين الإكليلية.

عوامل الخطر

هنالك مجموعة من عوامل الخطر التي ترفع من احتمالية إصابة الشخص بالسكتة القلبية وهي تشمل ما يلي:

  • الإدمان على الكحول أو على الأدوية
  • وجود قصة سابقة لإصابة أحد أفراد العائلة بالسكتة القلبية
  • الإصابة بأمراض القلب
  • ارتفاع ضغط الدم
  • ارتفاع كولسترول الدم
  • الإصابة بمرض السكري
  • البدانة
  • التدخين
  • اضطرابات الشوارد وبشكلٍ أساسي شاردتي البوتاسيوم والمغنيزيوم.

العلاج

بعد تعرض الشخص للسكتة القلبية، تعد عمليات إعادة التنشيط السريعة للقلب والدماغ أمراً في منتهى الأهمية للحفاظ على الوظائف الحيوية وتقليل الأضرار. تعتبر الإجراءات التالية جزءاً من التدابير المعتمدة لاستعادة الوظائف الطبيعية للقلب والدماغ بعد السكتة القلبية. لكن ينصح بالتحدث مع الفريق الطبي المختص للحصول على العلاج الأمثل والملائم لحالة كل شخص بناءً على تقييم الطبيب والظروف الصحية الفردية.

أما العلاجات التي يمكن تطبيقها تشمل:

  • يعد العلاج بالصدمات الكهربائية "الديفيبريلايشن" أحد الأساليب الأساسية لإعادة تنشيط القلب بعد السكتة القلبية. يستخدم الجهاز لتوجيه صدمات كهربائية لإعادة النبض الكهربائي الطبيعي للقلب.
  • يعتبر علاج الأوعية الدموية "الترومبوليسيس" حاسماً لاستعادة تدفق الدم إلى الأوعية الدموية المتضررة في الدماغ أو القلب. حيث يتم من خلاله إزالة الجلطات أو الإنسدادات من الأوعية الدموية.
  • قد تتطلب بعض الحالات الحرجة التدخل الجراحي (الكثير من التقنيات) مثل تركيب شبكيات في الشرايين (الشبكية) أو إجراء عمليات جراحية لإزالة الجلطات.
  • يعطى العلاج الدوائي لتحسين وظيفة القلب، وتخفيف الالتهابات، وتنظيم ضغط الدم، والتحكم في مستويات الكولسترول لتقليل مخاطر الإصابة بالمشاكل القلبية.
  • العلاج التأهيلي ويشمل تدريبات اللياقة البدنية والتغذية السليمة والتوجيه النفسي والتعليمات حول التغييرات النمطية الصحية.

كيف يتأثر النشاط الدماغي خلال السكتة القلبية؟

بعد إصابة الشخص بالسكتة القلبية وتبعاً للنقص في كمية الدم الواصل إلى الدماغ وخلايا الجسم المتنوعة. حيث ينقص تركيز غاز الأكسجين الواصل إلى خلايا الدماغ. حيث تعجز خلايا الدماغ بدورها عن أداء وظائفها وتبدأ بالتراجع التدريجي شيئاً فشيئاً تبعاً للنقص في تركيز غاز الأكسجين الواصل إليها.

وهذا ما يطلق عليه تسمية إصابة الدماغ "بنقص الأكسجة الإقفاري". والذي يعتبر بدوره السبب الرئيسي للإعاقة الدماغية الكبيرة أو الوفاة بعد الإنعاش القلبي الرئوي.

كذلك يجب الإشارة إلى أن استجابة الشخص للإنعاش القلبي الرئوي وعودة القلب إلى العمل وضخ الدم قد يحمل مجموعة من الآثار السلبية على صحة الدماغ. وذلك لأن إعادة تدفق الدم إلى الدماغ بعد مرور بضعة دقائق على الأذية الدماغية الإقفارية التي تتلو توقف القلب. سيرفع من تركيز المستقلبات السامة أو شديدة التفاعل التي أنتجها الدماغ خلال فترة السكتة القلبية. وهذا ما يطلق عليه "طور إعادة التروية".

وتعتبر العملية السابقة بالغة الخطورة، حيث تسبب تلف الخلايا العصبية والموت في حالات عديدة. بالإضافةً لنقص تدفق الدم باتجاه الدماغ، فإن التغيرات الكيميائية الناجمة عن تراكم المستقلبات السامة في الدماغ سيؤدي لحدوث وذمة دماغية.

كما يمكن أن يحدث تشنج شديد في الأوعية الدماغية للدماغ، وهذا ما يمنع الدم من الوصول إلى الدماغ.

أما في الحالات المتقدمة من الأذية الدماغية فيمكن الوصول لمرحلة السبات والتي تكون غير قابلة للعكس في حالات عديدة. مع التنويه إلى أنّ الأشخاص الذين يستجيبون للإنعاش القلبي الرئوي وينجون من السكتة القلبية قد يعانون من مضاعفات واختلاطات دماغية دائمة في حالات عديدة أو أنها قد تتحسن بمرور الوقت.

ومن أهم المضاعفات التي يمكن أن يتعرض لها الدماغ نذكر:

  • اضطرابات حركية كانعدام أو ضعف القدرة على الحركة.
  • فقدان أو ضعف الذاكرة
  • صعوبة الكلام
  • صعوبة الانتباه والتركيز.
  • ضعف البصر في بعض الحالات.

ما هي المدة الزمنية التي يستمر فيها نشاط الدماغ بعد السكتة القلبية؟

نظراً لأن السكتة القلبية تسبب توقفاً في تدفق الدم تجاه مجمل أنحاء الجسم، بالتالي فإن الأذية الدماغية والتنفسية وغيرها سوف تبدأ خلال ثواني من انقطاع التروية الدموية والأكسجين. وهذا ما يسبب بدوره توقفاً للتنفس والنشاط الدماغي خلال فترة قصيرة من الزمن.

ولكن على الرغم من ارتباط مفهوم الوفاة من الناحية البيولوجية مع بدء السكتة القلبية (تبعاً لتوقف القلب)، فلا بد من التنويه إلى أنّ خلايا الجسم المتنوعة تموت بمعدل سرعات متفاوتة.

فعلى الرغم من الاعتقاد بأن الخلايا الدماغية ستموت خلال 5-10 دقائق من حدوث السكتة القلبية. ففي الحقيقة الأدلة تشير إلى أن خلايا الدماغ تموت ببطء قد يستمر لعدة ساعات أو حتى عدة أيام. وذلك في حال تركت تموت لوحدها دون وجود أي عوامل أخرى تؤثر عليها، ولكن هذا الأمر لا يحدث إلا في حالات نادرة. وذلك لأن إجراء الإنعاش القلبي الرئوي، سيعيد ضخ الدم إلى أنحاء الجسم في بعض الحالات، ويكون قد وصل الدماغ إلى طور عودة الضخ والتروية. والذي قد يزيد بدوره من تأثير العوامل الاستقلابية الضارة على صحة الخلايا الدماغية. ويسرع أيضا من حصول التلف والموت الدماغي خلال دقائق معدودة من بدء هذه السكتة.

بالإضافة إلى العوامل السابقة فإن الشخص الذي يعاني من انقطاع في تدفق الدم إلى الدماغ لمدة 5 دقائق تقريباً، يملك فرصة أعلى واحتمالية أكبر للتعافي مقارنة مع شخص قد عانى من انقطاع التروية لمدة 30 دقيقة على سبيل المثال. فبالطبع يبقى البدء بالانعاش القلبي الرئوي، ومعاكسة السبب المؤدي للحالة، عنصر الأساس في تجاوز السكتة القلبية والحفاظ على صحة الخلايا الدماغية وحمايتها من التلف والموت قدر الإمكان.